محمد بن جرير الطبري
110
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكما قال الشاعر : فإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد قال أبو جعفر : والقول الأَول هو القول لما وصفنا من العلة ، وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين الذي في الآيتين وفي البيت ، لأَن " الذي " في قوله : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع ، وهو قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وكذلك الذي في البيت ، وهو قوله : دماؤهم . وليست هذه الدلالة في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فذلك فرق ما بين " الذي " في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معني " الذي " في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً بمعنى الجماعة ، وغير جائز لأَحد نقل الكلمة التي هي الأَغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها . ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك ، فروي عن ابن عباس فيه أقوال ؛ أحدها ما : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ضرب الله للمنافقين مثلا فقال : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق . والآخر ما . حدثنا به المثنى به إبراهيم ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً إلى آخر الآية هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإِسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات ، يقوم في عذاب . والثالث ما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ زعم أن أناسا دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى ، فأبصره حتى عرف ما يتقي ، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذي ، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام ، والخير من الشر . فبينا هو كذلك إذ كفر ، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ، ولا الخير من الشر . وأما النور فالإِيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وكانت الظلمة نفاقهم . والآخر ما : حدثني به محمد بن سعيد قال : حدثني أبي سعيد عن أبيه عن جده جد عم أبي سعيد بن محمد عن ابن عباس قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً إلى : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ضربه الله مثلا للمنافق ، وقوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به . وأما الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم ، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك . وقال آخرون بما : حدثني به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زيع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وعاد بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله . فلما كان عند